بعد المرحلة الماصة للحرارة، تدخل حبوب البن في المرحلة الطاردة للحرارة، وهي فترة حرجة وحيوية في عملية التحميص حيث تبدأ الحبوب في إطلاق الحرارة بدلاً من امتصاصها. يُعرف هذا التحول عادةً ببداية “التشقق الأول” (First Crack)، وهو صوت مميز يشبه طقطقة الفشار، ويشير إلى حدوث تغيرات هيكلية داخلية كبيرة وانفصال بخار الماء، مما يمثل نقطة اللاعودة في تطور النكهة والرائحة.
خلال هذه المرحلة المكثفة، التي تتسارع فيها التفاعلات الكيميائية بشكل كبير، تشهد حبوب البن تطورًا سريعًا ودراماتيكيًا لمركبات اللون والنكهة. تتضمن هذه التفاعلات عمليات معقدة مثل تفاعلات مايلارد (Maillard Reactions) التي تمنح القهوة ألوانها البنية المميزة وروائحها العطرية الغنية، بالإضافة إلى الكرملة التي تساهم في الحلاوة وتكوين نكهات الكراميل والمكسرات. تتكسر الأحماض المعقدة وتتحول إلى مركبات أبسط، مما يؤثر بشكل مباشر على حمضية القهوة وإحساس الفم. تعد الدقة في التحكم بدرجة الحرارة وتدفق الهواء أمرًا بالغ الأهمية هنا، حيث أن الإفراط في التحميص يمكن أن يؤدي إلى نكهات مريرة ومحروقة، بينما قد ينتج عن التحميص غير الكافي نكهات عشبية أو حامضة غير مرغوبة.
تعتبر المرحلة الطاردة للحرارة هي جوهر تحويل حبة البن الخضراء إلى تلك التجربة العطرية واللذيذة التي نعرفها. إنها الفترة التي تتشكل فيها شخصية القهوة النهائية، حيث يحدد كل قرار يتخذه المحمّص – من طول المرحلة إلى سرعتها – ملف النكهة النهائي الذي سيستمتع به الشارب. يتطلب إتقان هذه المرحلة فهمًا عميقًا لكيمياء التحميص ومراقبة دقيقة، لضمان استخلاص أفضل ما في كل حبة قهوة، وتقديم كوب متوازن وغني بالنكهة.